علوم أهم ثانية في تاريخ الكون بأكمله

Admin

مدير شركة انكور التطويرية
طاقم الإدارة
ادارة انكور
كانت الثانية الأولى من عمر الكون، بلا شك، الأكثر زخمًا بالأحداث في تاريخ الوجود كله. فقد بدأ الكون صغيرًا جدًا — صغيرًا إلى حدٍّ لا نهائي، إذا أخذنا بنموذج الانفجار العظيم الذي يتبناه معظم علماء الكونيات. وخلال هذه الثانية الأولى، انتقل الكون من نقطة متناهية الصغر وذات كثافة لا نهائية إلى كونٍ معقّد يمتد عبر سنوات ضوئية.

بدأ كل شيء بمرحلة يُطلق عليها العلماء اسم التضخّم الكوني. ولسنا متأكدين تمامًا من السبب الذي جعل الكون يبدأ بالتمدّد السريع بهذه الطريقة، لكن ما نعرفه هو أن المسافات بين نقاط الفضاء كانت تتضاعف بسرعة هائلة خلال أجزاء متناهية الصغر من الثانية. واستمر هذا التمدّد إلى أن ازداد حجم الكون بشكل لا يمكن تصوّره، حتى أصبح أكبر بمليارات المليارات من المرات مقارنةً بحجمه الأولي، وهو نمو يفوق عدد حبات الرمل على جميع شواطئ الأرض، ويتجاوز بكثير عدد النجوم في الكون المعروف.
أهم ثانية في تاريخ الكون بأكمله
خلال فترة التضخم، وضع الكون اللبنات التي ستتحول لاحقًا إلى أكبر البنى التي نعرفها. ومع تمدد كل شيء، كبرت أيضًا اللاتجانسات المتناهية الصغر التي وُجدت في البداية، وانتشرت عبر الامتداد الجديد للزمكان. هذه التقلّبات الدقيقة حتمية بسبب العشوائية الكامنة في ميكانيكا الكم، ومع انتشارها في الكون الفتيّ، خلقت فروقًا طفيفة في كثافة البلازما الحارّة جدًا التي ملأت الفضاء كله.

لا يزال الجدل قائمًا حول المدة الدقيقة لحقبة التضخم وحجم الكون عند نهايتها — فإذا سألتَ عالم كونيات، فقد يشبّه الكون بثمرة ما، لكن إن كانت عنبة أم جريب فروت أم شمّامة فسيظل الأمر مفتوحًا، وكلها تقديرات مقبولة. إلا أن الجميع يتفق على أن هذه الحقبة استمرت جزءًا ضئيلًا جدًا من الثانية، وأن الكون عند انتهائها كان يتراوح حجمه بين حبة رمل وبضعة أمتار، على الرغم من تمدده الهائل. وفي تلك اللحظة، كان الكون بأكمله كرةً ساخنةً معتمة من البلازما، تمتزج فيها أولى الجسيمات والجسيمات المضادة مع طاقة خام.

ومع تمدد تلك الكرة الساخنة، بدأت في البرودة، وأخذت الأمور تزداد تعقيدًا. فقدت الجسيمات قدرًا كافيًا من الحرارة يسمح لها بالاتحاد، فتكوّنت أولى الهادرونات، ومنها البروتونات والنيوترونات التي تشكّل جانبًا كبيرًا من المادة اليوم. وكانت هذه أيضًا أول الباريونات التي تشكّلت؛ فقبل هذا الحدث — المسمّى تكوّن الباريونات — لم تكن موجودة إلا الجسيمات الأساسية، مثل الكواركات دون الذرّية التي تكوّن الباريونات دون الذرّية. ولسبب لا يزال مجهولًا، كان هناك مقدار من المادة يفوق مقدار المادة المضادة، فتصادمت معظم المادة المضادة مع المادة وفنيت، بينما بقيت المادة.

وأثناء تطور الجسيمات، مرّ الكون الصغير بسلسلة مما يسميه علماء الكونيات «التحولات الطورية»، حيث تغيّرت حالة المادة في الكون بأسره دفعة واحدة. وكانت تلك آخر مرة شهد فيها الكون هذا القدر من التزامن الشامل. ومن بعدها، تفرّعت المسارات. فقد كانت القوى الأربع — الجاذبية، والقوة الشديدة، والقوة الضعيفة، والقوة الكهرومغناطيسية — موحّدة عند الانفجار العظيم، لكنها انفصلت عبر سلسلة من التحولات الطورية خلال أول جزء من مليار جزء من الثانية، وبدأت تتصرف كلٌّ على حدة كما نعرفها اليوم.

ومهّدت تلك التحولات الطورية لسلسلة من التغيّرات. توقّف الكون عن كونه معتمًا، وبدأ الإشعاع بالتدفّق بحرية، منيرًا أرجاءه. واكتسبت جسيمات المادة الناشئة كتلتها من خلال تفاعلها مع حقل هيغز، الذي كان قد انفصل حديثًا عن الحقول الأخرى. وقبل هذه اللحظة — أي بعد جزء من تريليون جزء من الثانية من الانفجار العظيم — كانت جميع الجسيمات بلا كتلة. وكان الكون، الذي لم يتجاوز حجمه سنة ضوئية واحدة، يبدأ بالتشكّل ليصبح شبيهًا بالكون الذي نعيش فيه.

كما بدأ يصبح أكثر تكتّلًا، بفضل تلك التقلّبات الكمّية التي ظهرت منذ اللحظات الأولى. وقد تبيّن لاحقًا أن هذا التكتّل الدقيق كان من أهم ما حدث على الإطلاق، إذ سمح لمناطق الفضاء الأعلى كثافة بالانهيار لاحقًا لتشكّل النجوم، التي كوّنت المجرّات والعناقيد، وبنت البنية واسعة النطاق للكون — لكن ذلك استغرق دهورًا، لا ثواني.

وبعد نحو ثانية واحدة من الانفجار العظيم، بدأت فوضى التطور الكوني بالهدوء. كان قطر الكون بأسره لا يزال أقل بكثير من المسافة الحالية بين الشمس وألفا قنطورس، أقرب جارٍ نجميٍّ لنا، ولذلك ظل كل شيء شديد السخونة والكثافة مقارنةً باليوم. لكن معظم الجسيمات والقوى التي شكّلت الكون لاحقًا كانت قد اتخذت الأشكال التي نراها الآن.

لم تتشكّل أنوية الذرّات إلا بعد بضع دقائق، ولم تبدأ في الاحتفاظ بالإلكترونات اللازمة لتكوين ذرات متعادلة إلا بعد مئات الآلاف من السنين. ولم تبدأ النجوم والمجرّات في التشكّل إلا بعد عشرات الملايين من السنين لاحقًا. ومع ذلك، كانت الأسس قد وُضعت، وكل ذلك البناء الأساسي — رصّ اللبنات وصبّ الخرسانة — استغرق ثانية واحدة فقط. ولا تزال التفاصيل الدقيقة غامضة إلى حد ما، إذ مرّت منذ ذلك الحين أعداد هائلة من الثواني، ولا يزال علماء الكونيات يحاولون تفكيك ما حدث بين تلك اللحظة والآن.

لكن مهما كانت التفاصيل، فقد كان ذلك كافيًا: ثانية واحدة فقط دفعت الكون من نقطة في بحرٍ من العدم إلى حساءٍ كونيٍّ بدائي، خرج منه كل ما نعرفه.​
 
عودة
أعلى