"المواطن العربي يعيش على أرضه غريبا. وحالة الاغتراب السياسي التي كانت وما زالت تسيطر على الأمة العربية تعتبر الخطر الحقيقي الذي لا بد لنا من أن نزيله ونقضي عليه. لقد قامت في المنطقة العربية أحزاب وحركات عربية عديدة حاولت تحقيق أهداف الأمة العربية وخلق الانسان العربي الجديد اللامغترب سياسيا واقتصاديا، ولكنها فشلت جميعا. إن تلك المؤسسات سواء الأحزاب القومية أو الحركة الناصرية، كانت ثورية من حيث آمالها وإخلاصها، ولكنها نسيت أن تخطـي الأوضاع التي أوجدها الاستعمار والصهيونية من تخلف وتجزئة، والتي خلقت مناخ الاغتراب، لا يمكن بدون تعبئة الجماهير، وبدون إيصالها الى مرحلة استعمال العنف الثوري بكل أشكاله لفرض ظروف التغيير، بينما سارعت القوى الوطنية الى تسلم السلطة عن طريق الانقلاب العسكري قاطعة بذلك الطريق على نشوء التنظيمات الشعبية القادرة على أن تكون الواسطة بين السلطة والجماهير، والنتيجة الحتمية لذلك مواجهة التناقضات الجديدة داخليا وخارجيا مواجهة عاجزة عن الوفاء بوعودها التي تطمئنها على نفسها قبل تسلمها السلطة سواء في الامور الداخلية او في القضايا القومية كالوحدة وتحرير فلسطين. ولذلك تحولت تلك القوى الى أداة قمع قسري للشعب تمنع عنه القسط الضروري من الحرية السياسية، حتى انها أصبحت أحيانا تذكره بأولئك الذين ناضل ضدهم، ولم يبق أمام المواطن العربي في ظل القهر والاضطهاد وضعف الحركة الجماهيرية الا الانسحاب من ميدان النشاط او الانعزال والاهتمام بأموره المعيشية الضيقة، مشكلا جزيرة قائمة بنفسها، الابعاد الجغرافية بينه وبين الآخرين معدومة بينما الابعاد النفسية شاسعة وهذا هو السبب الذي جعل الاربعين مليون عربي المحيطين بإسرائيل رقما (كتلة) لا دور حقيقي لهم فيما يجري حولهم من أحداث، وموقفهم من سير الامور يتحول الى موقف لا يتعدى كونه تأمليا صرفا تجاه سير الاحداث(٢)، فهو متفرج قادر على البكاء عند الهزائم القومية، وعلى التصفيق عند الانتصار. والنتيجة الحتمية لهذا الوضع الشعبي هو تحول المجتمع الى مجتمع اللاقدرة واللاانتماء الذي تغيب فيه قواه الفاعلة فيقف عاجزا أمام الهزيمة وتآمر الاستعمار، وحدوث ذلك هو اكتمال عوارض المرض."
يُعد هذا النص بالاعلى جزءًا من مقال هام للمفكر والسياسي الفلسطيني هاني الحسن بعنوان "فتح بين النظرية والتطبيق"، والذي نُشر في مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية. يتناول الحسن في هذا المقال تشخيصًا عميقًا للحالة السياسية والاجتماعية في العالم العربي، مسلطًا الضوء على ظاهرة الاغتراب السياسي التي يعيشها المواطن العربي، وفشل الحركات القومية والوطنية في إحداث التغيير المنشود. يطرح الكاتب رؤية نقدية للتناقض بين آمال ووعود القوى السياسية قبل وصولها للسلطة وبين ممارساتها بعد ذلك، مما أدى إلى تحول تلك القوى إلى أدوات قمع تمنع الحريات السياسية وتدفع المواطن العربي إلى الانسحاب من المشاركة السياسية والانعزال في دائرة اهتماماته الشخصية الضيقة. كما يتطرق إلى إشكالية تسلم السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية وأثر ذلك في إعاقة نشوء التنظيمات الشعبية القادرة على أن تكون الواسطة الفاعلة بين السلطة والجماهير.
يأتي هذا التحليل في سياق رؤية هاني الحسن النقدية لتجربة حركة فتح والحركات الوطنية الفلسطينية والعربية، ويهدف إلى تشخيص مكامن الخلل وتقديم مقاربة تقييمية لمسيرة النضال الوطني الفلسطيني والعربي.
يُعد هذا النص بالاعلى جزءًا من مقال هام للمفكر والسياسي الفلسطيني هاني الحسن بعنوان "فتح بين النظرية والتطبيق"، والذي نُشر في مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية. يتناول الحسن في هذا المقال تشخيصًا عميقًا للحالة السياسية والاجتماعية في العالم العربي، مسلطًا الضوء على ظاهرة الاغتراب السياسي التي يعيشها المواطن العربي، وفشل الحركات القومية والوطنية في إحداث التغيير المنشود. يطرح الكاتب رؤية نقدية للتناقض بين آمال ووعود القوى السياسية قبل وصولها للسلطة وبين ممارساتها بعد ذلك، مما أدى إلى تحول تلك القوى إلى أدوات قمع تمنع الحريات السياسية وتدفع المواطن العربي إلى الانسحاب من المشاركة السياسية والانعزال في دائرة اهتماماته الشخصية الضيقة. كما يتطرق إلى إشكالية تسلم السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية وأثر ذلك في إعاقة نشوء التنظيمات الشعبية القادرة على أن تكون الواسطة الفاعلة بين السلطة والجماهير.
يأتي هذا التحليل في سياق رؤية هاني الحسن النقدية لتجربة حركة فتح والحركات الوطنية الفلسطينية والعربية، ويهدف إلى تشخيص مكامن الخلل وتقديم مقاربة تقييمية لمسيرة النضال الوطني الفلسطيني والعربي.