مع فقدان غرينلاند للجليد، سترتفع مستويات البحار عالميًا — بينما ستنخفض محليًا

Admin

مدير شركة انكور التطويرية
طاقم الإدارة
ادارة انكور
سترتفع مستويات البحار خلال هذا القرن، لكن ليس بشكل متساوٍ كما لو كان الماء في حوض استحمام. ففي الأماكن نفسها التي تذوب فيها الأنهار الجليدية وتتقلص، سترتدّ اليابسة الواقعة تحتها مع زوال العبء، ما يعني أن مستوى البحر قد ينخفض محليًا حتى بينما يتسبب ماء الذوبان في ارتفاعه في أماكن أخرى. وتُظهر دراسة جديدة أنه في غرينلاند — التي يسهم الغطاء الجليدي سريع الذوبان فيها بنحو خُمس الارتفاع الحالي لمستوى سطح البحر — سيؤدي هذا التناقض إلى توسّع السواحل، وجفاف بعض الفيوردات، وتعقيدات مستقبلية.

نُشرت الدراسة اليوم في مجلة Nature Communications، وتُظهر أن أجزاءً من ساحل غرينلاند سترتدّ بوتيرة أشدّ بكثير مما كان متوقعًا، ما سيؤدي إلى انخفاض مستويات البحر بما يتراوح بين متر واحد ونحو أربعة أمتار بحلول عام 2100. ومن المرجّح أن تتحمّل غرينلاند الغربية والجنوبية، بما في ذلك المركز الاقتصادي والثقافي للجزيرة، العبء الأكبر من هذا التراجع، وهو ما قد يخلق مشكلات كبيرة للشحن والأمن الغذائي. ويقول روجر كريل، وهو جيوفيزيائي في جامعة تكساس إيه آند إم ولم يشارك في الدراسة: «إنه الفرق بين أن تتمكّن من الوصول من مينائك إلى المحيط أو أن تضطر إلى بناء ميناء جديد».
غرينلاند
لقد تغيّرت مستويات البحر على طول سواحل غرينلاند، مثل هذا الجزء من الساحل الغربي للجزيرة، بشكل ملحوظ خلال الذاكرة الحيّة. وتجد دراسة جديدة أنه مع الذوبان السريع للغطاء الجليدي في غرينلاند، ترتدّ اليابسة الواقعة تحته بسرعة، وهو ما سيؤدي إلى انخفاض مستويات البحر على طول أجزاء من الجزيرة خلال العقود المقبلة. — ليف فونتين

ويمكن أن تساعد التوقعات الجديدة المسؤولين على الاستعداد بشكل أفضل لمخاطر الملاحة المستقبلية وتحديات البنية التحتية. وتقول أندرا غارنر، عالِمة المناخ في جامعة روان ولم تشارك في الدراسة: «هذه ورقة بالغة الأهمية. فنحن نفكّر عادةً في ارتفاع مستوى البحر والتحديات التي يخلقها، لكن في أماكن مثل غرينلاند، تنخفض مستويات البحر — وهذا يخلق تحديات أيضًا».

السبب وراء ذلك هو التغيّرات في كتلة الغطاء الجليدي الهائل في غرينلاند، الذي يبلغ حجمه نحو ثلاثة أضعاف مساحة ولاية تكساس، ويصل سمكه في بعض المناطق إلى أكثر من ثلاثة كيلومترات. وكرة بولينغ على فراش، تضغط هذه الكتلة الضخمة على اليابسة تحتها. وعندما تذوب، ترتدّ الأرض الكامنة تحتها وترتفع، ما يخفض فعليًا مستوى البحر النسبي. ويتعزّز هذا التأثير بفعل الجاذبية نفسها: فالكتلة الهائلة لصفائح الجليد في غرينلاند تجذب مياه المحيط، لكن هذا الجذب يضعف مع فقدان الجليد، فتتحرك مياه البحر مبتعدة.

ليس هذا بالأمر الجديد كليًا، فقد توقّعت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة انخفاض مستويات البحر في بعض المناطق، لكنها توقّعت في الغالب ارتفاعًا متواضعًا. غير أن الجيوفيزيائية لورين لورايت، طالبة الدكتوراه في جامعة كولومبيا، مع مشرفتها جاكلين أوسترمان وزملاء آخرين، وجدوا أن عملية الارتداد هذه — المعروفة باسم التعديل التوازني الجليدي — تحدث في غرينلاند بسرعة أكبر بكثير مما كان متوقعًا.

لعقودٍ، اعتقد الباحثون أن القشرة الأرضية المرنة وحدها يمكن أن تستجيب على مقاييس زمنية بشرية، بارتدادات صغيرة. أما أسفل القشرة، فكان يُعتقد أن تدفّق الوشاح البطيء، الشبيه بالعسل، يستغرق آلاف السنين ليهدأ. لكن قياسات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) لأساس غرينلاند الصخري أظهرت أن الجزيرة ترتفع بسرعة. ويُظهر العلماء الآن أنه عندما يتقلّص الجليد، يتدفّق الوشاح أسرع مما كان متوقعًا، إلى حدّ أن هذه العملية التي كان يُنظر إليها على أنها «طويلة الأمد» تبدأ خلال عقود. وعندما يُدرج الباحثون هذا التدفق المتسارع في نماذجهم، يتوقّعون أن تنخفض مستويات البحر في غرينلاند بنسبة تتراوح بين 25% و65% أكثر مما كانت تتنبأ به النماذج التقليدية.

ويقول كريل: «سرعة التحميل تحدد سرعة الاستجابة. إذا قفزت من جسر عالٍ، فسيؤلمك ذلك».

وتبني هذه الدراسة أيضًا على أدلة من الماضي. فعلى سبيل المثال، تُظهر الآثار الجيولوجية من فترة برودة تُعرف باسم العصر الجليدي الصغير — الذي امتد تقريبًا من القرن الرابع عشر إلى القرن التاسع عشر، وربما عجّل برحيل الفايكنغ عن غرينلاند — أن أحجام الأنهار الجليدية ومستويات البحر تغيّرت بسرعة.

وتقول ناتاليا غوميز، الجيوفيزيائية في جامعة ماكغيل، إنها تثق بنتائج الدراسة الجديدة لأنها أخذت هذه التقلبات التاريخية المعروفة في الحسبان بعناية. وتضيف أن الدروس المستفادة من غرينلاند قد تساعد العلماء على فكّ التشابك المعقّد بين ذوبان الجليد ومستوى البحر في السجلات الجيولوجية القديمة حول العالم. وتقول: «إن معرفة تغيّرات الصفائح الجليدية مهمة لفهم الملاحظات الحالية ثم إسقاطها على المستقبل».

في غرينلاند نفسها، سترفع اليابسة المرتدّة الصخور التي كانت مغمورة بالمياه في الموانئ والقنوات، ما سيخلق مخاطر كبيرة للملاحة. كما ستُترك نظم بيئية حساسة من بلح البحر والأعشاب البحرية والقشريات مكشوفة وجافة. وفي نهاية المطاف، ستحدّد انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المستقبلية مدى سوء الأوضاع. فإذا استمرت الانبعاثات دون كبح حتى نهاية القرن، فقد تنخفض مستويات البحر قرب الجليد السميك والسريع التراجع، مثل نهر هيلهايم الجليدي في غرينلاند، بما يصل إلى 3.8 أمتار بحلول عام 2100. أما خفض الانبعاثات بما يكفي لحصر الاحترار عند درجتين مئويتين، فسيحدّ من هذا الانخفاض عند هيلهايم إلى نحو نصف متر.

في الوقت الراهن، لا تزال مستويات البحر ترتفع على طول أجزاء من سواحل غرينلاند. لكن ذلك سيتغيّر مع استجابة الوشاح لفقدان أكبر للجليد في السنوات المقبلة — وفي بعض الأماكن بدأ هذا التحوّل بالفعل. فقد لاحظ ليف فونتين، صيّاد يبلغ من العمر 70 عامًا في مدينة سيسيميوت بغرينلاند، أن الشاطئ قد امتدّ في أحد الفيوردات الضيقة، رغم أن المدّ العالي يزداد ارتفاعًا في أماكن أخرى. ويقول: «التغيّرات هنا مرئية بالعين المجرّدة».

لكن فونتين، وهو من أبناء غرينلاند طوال حياته، لا ينوي الرحيل. ويتساءل: «السؤال هو: كيف نتكيّف؟».​
 
عودة
أعلى