مقال العقل مناط التكليف

*"العقلُ مَناطُ التّكليف"*

د. أيمن بدر كريّم

المُرادُ مِن القاعِدَةِ الأُصوليَّةِ: "العَقْلُ مَناطُ التَّكليفِ"، أنَّ الإنسانَ لا يَتَوَجَّهُ إليهِ التَّكليفُ الشَّرعيُّ إلّا إذا كانَ قادرًا على الفَهْمِ والتَّمييزِ والاختيارِ؛ فيَعي مَعنى الأمرِ والنَّهيِ، ويُدرِكُ عَواقِبَ أفعالِهِ، وبِذلكَ تَثبُتُ مَسؤوليَّتُهُ عنْها.

لكنَّنا نُواجِهُ مُفارقةً واضِحَةً: يُطلَبُ من الإنسانِ أن يكونَ عاقِلًا مَسؤولًا، ثمَّ يُربَّى أحيانًا على تَكرارِ ما يَسمَعُهُ مِن غيرِ فَهْمٍ أو سُؤالٍ. وهكذا يَتَحوَّلُ الدِّينُ عندَه مِن طَريقٍ للتَّفكُّرِ والتَّدبُّرِ، إلى أجوبةٍ جاهزةٍ لا يجوزُ الاقتِرابُ مِنها أو مُناقَشَتُها.

والتُّراثُ حَصيلَةُ جُهودِ العُلَماءِ وتَجارِبِهِم الطَّويلَةِ في فَهْمِ النُّصوصِ، وهو جُزءٌ مُهِمٌّ مِن ذاكِرَتِنا العِلميَّةِ وتاريخِنا الثَّقافيّ. لكنَّ المُشكِلَةَ تَبدأُ حينَ نُعامِلُ كُلَّ ما فيهِ بوَصفِهِ مُقَدَّسًا ثابتًا لا يَقبَلُ المُراجَعَةَ، فَنَخلِطُ بينَ الوَحْيِ، وهو أصلُ الدِّينِ ومَصدَرُ هِدايَتِهِ، وبينَ اجتِهاداتٍ بَشَرِيَّةٍ تأثَّرَت بأسئِلَةِ زَمانِها وظُروفِهِ.

عندَئذٍ يَجِدُ الإنسانُ في الرَّأيِ الجاهِزِ راحَةً مِن عَناءِ التَّفكيرِ، وفي مُوافَقَةِ الجَماعَةِ حِمايَةً مِن خَوفِ الاختِلافِ. لكنَّه قد يَدفَعُ ثَمَنَ ذلكَ داخليًّا: أسئِلَةً يَكتُمُها، وشُكوكًا يَخافُ مِن الاعتِرافِ بها، وإيمانًا مهزُوزًا، يظنُّ صاحبُه أنَّ الآخرينَ يَستهدِفونَهُ.

إنَّ إعادةَ الاعتِبارِ إلى العَقْلِ لا تَعني مُهاجَمَةَ التُّراثِ بالضَّرورَةِ، ولا تَعني تَقديمَ العَقْلِ على الوَحْيِ، بل تَعني أن نَستوعِبَ أنَّ الوَحْيَ مَصدَرُ الهِدايَةِ، وأنَّ العَقْلَ وَسيلَتُنا إلى فَهْمِهِ وتَدَبُّرِهِ، وأنَّ التُّراثَ خِبرَةٌ إنسانيَّةٌ نَقرَؤُها بتَدَبُّرٍ، ونَنتَفِعُ بِها، مِن غيرِ أن نُغلِقَ بابَ السُّؤالِ والمُراجَعَةِ والنَّقدِ، أو نَمتَنِعَ عن رَفْضِ ما يَظهَرُ لَنا ضَعفُهُ أو عَدَمُ مُلاءَمَتِهِ لِلسِّياقِ.

كما أنَّ اتِّباعَ السَّلَفِ لا يَعني استِعارَةَ عُقولِهِم بَدَلًا مِن عُقولِنا؛ فَلَم يَكونوا مُجَرَّدَ مُكَرِّرين، بل كانوا أهلَ عِلمٍ ونَظَرٍ واجَهوا وَقائِعَ عَصرِهِم وأسئِلَتَهُ بما تَوافَرَ لَهُم حينَئذٍ مِن مَعارِفَ وأدواتٍ، وبِما أَحاطَ بِهِم مِن ظُروفٍ سِياسيَّةٍ واجتِماعيَّةٍ وثَقافيَّةٍ. والوَفاءُ لَهُم لا يَكونُ بتَقديسِ كُلِّ ما نُسِبَ إلَيهِم، بل بِرَدِّ الخِلافِ مِن اجتِهاداتِهم إلى كِتابِ اللهِ تعالى وإلى السُّنَّةِ الصَّحيحَةِ الثّابِتَةِ عن نبيِّهِ الكَريمِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامِ، على وَجهٍ لا يُعارِضُ أُصولَ القُرآنِ ومَقاصِدَهُ.

فالإيمانُ الحَقيقيُّ لا يَخافُ السُّؤالَ؛ لأنَّ اللهَ خاطَبَ الإنسانَ، في كُلِّ زمانٍ ومَكانٍ، بِرِسالَتِهِ الخاتِمَةِ العالَميَّةِ، بوَصفِهِ كائنًا عاقلًا، لا مُقَلِّدًا يُرَدِّدُ ما لا يَفهَمُ.
 

رأيك جزء من المعرفة.

أضف تجربتك أو سؤالك، فالنقاش يكمل الفكرة.

عودة
أعلى