مقال مؤرخو الفن يتجهون إلى علم الأحياء

Admin

مدير شركة انكور التطويرية
طاقم الإدارة
ادارة انكور
يتلألأ ضوء القمر على نحوٍ غريب في لوحات المناظر الطبيعية التي رسمها رالف ألبرت بلاكيلوك. ففي مطلع القرن العشرين، اكتسب هذا الرسام الأميركي العصامي شهرة واسعة بفضل لوحاته الليلية الكئيبة، التي بُنيت من ما يصل إلى نحو عشرين طبقة من الطلاء الزيتي. وفي عام 1916، بيعت لوحته الحالمة «الجدول في ضوء القمر» بمبلغ 20 ألف دولار، وهو رقم قياسي آنذاك لفنان لا يزال على قيد الحياة. وفي أواخر حياته، أُودِع بلاكيلوك مصحاتٍ نفسية، في الوقت الذي كان فيه الطلب على أعماله يتصاعد، ما جعل لوحاته هدفًا مغريًا للتزوير وتحديًا مستمرًا للقيّمين على المتاحف حتى اليوم.
لوحة ضوء القمر

عندما يتأمل أندرو ميرانكر لوحةً لبلاكيلوك، فهو لا يرى مجرد ضربات فرشاة وطبقات ورنيش، بل يرى أرشيفًا جزيئيًا. يقول ميرانكر، وهو عالم في الفيزياء الحيوية في جامعة ييل: «الطلاء جهاز تسجيل». فعندما يجف الطلاء الزيتي ببطء، يحتجز داخله شظايا من الحمض النووي (DNA) — بشرية وحيوانية وميكروبية — إلى جانب غبار الاستوديو وهوائه. ومن خلال تحليل عينات متناهية الصغر من طبقات الطلاء في لوحات يُنسب رسمها إلى بلاكيلوك، يأمل فريق ميرانكر في كشف دلائل تُظهر ما إذا كانت اللوحات من تنفيذ الفنان نفسه أم من صنع مزوِّر بارع.

ولا تُعد مناظر بلاكيلوك الحالمة سوى جبهة واحدة في مسعى متنامٍ للتنقيب في الكنوز الثقافية بحثًا عن أدلة بيولوجية، وهو مجال يُعرف باسم «الأرتيومكس» (Arteomics). ففي القرن العشرين، كان الخبراء يعتمدون أساسًا على العين الخبيرة لتوثيق اللوحات، وأحيانًا يستعينون بأدلة فيزيائية مثل التحليل الطيفي والتصوير بالأشعة السينية، كما يقول شتيفان زيمون، مدير مختبر راتغن للأبحاث التابع للمتاحف الوطنية في برلين. ويضيف: «القرن الحادي والعشرون آخذ في أن يصبح قرن المنهجيات البيولوجية».

بات بإمكان العلماء اليوم استخراج آثار جزيئية من رقائق صغيرة جدًا من الطلاء أو الرق دون إلحاق ضرر بالعمل الفني — على سبيل المثال، عبر فركٍ لطيف لظهر رسمٍ منسوب إلى ليوناردو دافنشي. وتقول عالِمة الأحياء الجزيئية بيانكا براون، الباحثة ما بعد الدكتوراه في مختبر ميرانكر: «أنت لا تلتقط أثر الفنان فحسب، بل أثر المكان والزمان والأشخاص والحيوانات المحيطة بالعمل». فعلى سبيل المثال، كشفت رقائق طلاء دقيقة من لوحة زيتية لمنزل عائلي ريفي رسمها الفنان الأميركي جون فيربانكس في مطلع القرن العشرين عن بصمات وراثية لحيوانات مزرعة وكلب ومحاصيل إقليمية مثل القمح والبرسيم.

غالبًا ما يحظى الحمض النووي بالأضواء، لكن البروتينات يمكن أن تكون دالّة هي الأخرى، كما تقول جولي أرسلان أوغلو، وهي كيميائية عضوية في متحف المتروبوليتان للفنون وأحد مؤسسي مبادرة Art Bio Matters، وهي اتحاد دولي لفك الشيفرات الجزيئية في الفن.

وقد تعاونت أرسلان أوغلو مع كارولين توكارسكي، الكيميائية التحليلية في جامعة بوردو والرائدة في تطبيق التحليل البروتيومي على الأعمال الفنية، لدراسة لغزٍ قديم يخص الفنان الإنجليزي توماس غينزبورو من القرن الثامن عشر. فإلى جانب لوحاته الكبيرة الشهيرة، جرّب غينزبورو الرسم بالزيت على الورق. وكانت هذه الرسومات عرضةً لدخان الفحم، إذ كانت الأبخرة الكبريتية تحوّل صبغة «الأبيض الرصاصي» على الورق إلى «كبريتيد الرصاص» الأسود. (أما اللوحات الزيتية فكانت محمية لأن أصباغها تكون مغلّفة بالمادة الرابطة أو بالورنيش، بحسب أرسلان أوغلو). وفي عام 1773، كتب غينزبورو إلى صديق يصف «وصفة سرية» لمنع تأثير الدخان المُعتم: كان يغمس الرسومات في حليب منزوع الدسم.

لاختبار هذا الادعاء، حلّل فريق المتروبوليتان–بوردو مسحات من رسومات لغينزبورو محفوظة في مكتبة ومتحف مورغان. وأكدت نتائجهم، التي نُشرت عام 2020 في مجلة Heritage Science، صحة الرواية: إذ احتوت طبقة الطلاء على بروتينات حليب بقري، ولا سيما الكازين. غير أن كيفية تطبيق الفنان للحليب منزوع الدسم، ولماذا كان فعّالًا، ما تزال لغزًا.

وتتجاوز مشاريع أخرى مجال الأرتيومكس نطاق اللوحات لتشمل قطعًا مثل تمائم مصرية، وقطع شطرنج من العصور الوسطى، ومفاتيح آلة هاربسيكورد من القرن السابع عشر. وقد جمع فريق المتروبوليتان–بوردو مسحات من هذه القطع واستعاد شظايا بروتينية تشخيصية — مثل ببتيدات الكولاجين، التي تتميز بقدرتها على الصمود لفترات أطول من الحمض النووي. وأظهر الفريق، على سبيل المثال، أن تمثالًا مصريًا يعود إلى الفترة بين 3900 و3500 قبل الميلاد صُنع من عاج فرس النهر، لا من عظم بقري أو عاج فيل، وفق ما نُشر عام 2024 في مجلة Science Advances.

في جامعة ييل، تمثل لوحات بلاكيلوك تحديًا من نوعٍ مختلف. يقول ميرانكر: «إنه لغز أنيق — جزء منه تاريخ فن، وجزء آخر اختبار نسب». فقد كانت ماريان بلاكيلوك، ابنة الفنان التي عملت معه، قادرة على تقليد لوحاته الليلية بدقة عالية. وكانت توقّع أعمالها باسمها، لكن مزورين لاحقًا غيّروا توقيعها ليبدو كأنه توقيع والدها، بحسب ميرانكر.

وفي تجارب أولية على أعمال أقل قيمة، أخذ الفريق عينات من رقائق طلاء من أماكن غير ظاهرة، مثل أسفل الإطار، وأظهروا قدرتهم على تسلسل الحمض النووي المحتجز في الطلاء. وتقول براون إن الحمض النووي الموجود أسفل الطبقات السطحية — «حيث يُرجّح أن تبقى المعلومات الجينية للفنان» — هو أفضل مرشح للتمييز بين الأب والابنة.

ولا يزال الفريق يُحسّن منهجيته قبل أن ينتقل إلى فحص لوحة أصلية لبلاكيلوك. ويقول ميرانكر: «يسألنا القيّمون: هل أصبحتم قادرين على ذلك الآن؟ كل ما أستطيع قوله هو: نحن قريبون».​
 
عودة
أعلى