مقال التسويق عبر الفيديو على يوتيوب وتيك توك: قصة منصتين ولغة واحدة

الرُمح

Moderator
طاقم الإدارة
مشرفين انكور
عضو انكور
لو سألنا أي مسوق قبل عشر سنوات عن أهم أشكال المحتوى، لربما أجاب بالمقالات أو الصور. أما اليوم فالإجابة شبه محسومة: الفيديو هو اللغة الأولى للإنترنت. فالناس يتعلمون الطبخ والبرمجة وإصلاح السيارات عبر يوتيوب، ويقضون ساعات في التنقل بين مقاطع تيك توك القصيرة، ويكتشفون من خلالها منتجات ومطاعم وأماكن لم يسمعوا بها من قبل. ولهذا لم يعد التسويق عبر الفيديو ترفًا مخصصًا للشركات الكبيرة ذات الميزانيات الضخمة، بل صار ضرورة لكل علامة تريد أن تُرى وتُسمع، خاصة أن الهاتف الذكي وحده أصبح كافيًا لإنتاج محتوى مقبول الجودة.

غير أن الحديث عن الفيديو بصيغة عامة يخفي فروقًا جوهرية بين المنصات. فيوتيوب وتيك توك يتشاركان في كونهما منصتين للفيديو، لكنهما يختلفان في طبيعة الجمهور وسلوك المشاهدة وطريقة اكتشاف المحتوى، ومن يتعامل معهما بالطريقة نفسها يخسر الكثير من إمكانات كل منهما.

زر تشغيل أحمر ثلاثي الأبعاد على خلفية زرقاء داكنة يرمز إلى التسويق عبر الفيديو


يوتيوب: محرك البحث الذي يحب العمق​

يوتيوب في جوهره محرك بحث ضخم، يأتي إليه الناس غالبًا بسؤال أو حاجة محددة، ويبقون فيه حين يجدون إجابة وافية. ولذلك يزدهر فيه المحتوى الطويل نسبيًا والمعمق، مثل الشروحات التعليمية ومراجعات المنتجات والمقارنات والقصص الوثائقية. والميزة الكبرى لهذه المنصة أن الفيديو الجيد يعيش طويلًا، فقد يستمر مقطع نُشر قبل سنوات في جلب المشاهدات والعملاء يوميًا لأنه يجيب عن سؤال ما زال الناس يطرحونه.

ونجاح العلامة على يوتيوب يتطلب التفكير بمنطق القناة لا بمنطق الفيديو الواحد، أي بناء سلسلة محتوى متماسكة حول موضوعات محددة تجعل المشاهد يشترك وينتظر الجديد. كما يتطلب الاهتمام بعناصر الاكتشاف مثل العنوان الذي يحتوي على ما يبحث عنه الناس، والصورة المصغرة الجذابة والصادقة، والوصف الغني بالمعلومات، والدقائق الأولى من الفيديو التي تقرر إن كان المشاهد سيبقى أم سيغادر. والمشاهد على يوتيوب أكثر استعدادًا لمنح وقته، لكنه أيضًا أكثر تطلبًا للقيمة.

تيك توك: الاكتشاف والسرعة والأصالة​

على الجانب الآخر، يقوم تيك توك على الاكتشاف لا على البحث، فالمستخدم لا يختار ما يشاهده بقدر ما تقترحه عليه الخوارزمية بناءً على اهتماماته. وهذه الطبيعة تمنح الحسابات الجديدة فرصة نادرة للانتشار السريع حتى دون قاعدة متابعين كبيرة، إذ يمكن لمقطع واحد موفق أن يصل إلى مئات الآلاف خلال أيام. لكن المنافسة على الانتباه هنا شرسة، والثواني الثلاث الأولى هي كل شيء، فإن لم يلتقط المقطع انتباه المشاهد فورًا انتقل بإصبعه إلى غيره.

والمحتوى الذي ينجح على تيك توك غالبًا ما يكون عفويًا وأصيلًا وقريبًا من الناس، أكثر من كونه مصقولًا ومثاليًا. فالمقاطع التي تُظهر كواليس العمل، أو تحكي قصة صاحب المشروع، أو تقدم نصيحة سريعة مفيدة، أو تشارك في تحدٍّ رائج بطريقة ذكية، تتفوق في الغالب على الإعلانات المنتجة باحترافية عالية لكنها تبدو غريبة عن روح المنصة. والصوت والموسيقى الرائجة والنصوص على الشاشة عناصر أساسية في هذه اللغة البصرية السريعة.

امرأة تسجل مقطع فيديو لنفسها بهاتف مثبت على حامل ثلاثي ضمن صناعة محتوى للتسويق عبر الفيديو


الإعلانات المدفوعة على منصات الفيديو​

إلى جانب المحتوى العضوي، توفر المنصتان خيارات إعلانية قوية تدعم التسويق عبر الفيديو وتسرّع نتائجه. فإعلانات يوتيوب تظهر قبل المقاطع أو في منتصفها أو ضمن نتائج البحث، ويمكن استهدافها بدقة بحسب الاهتمامات والكلمات المفتاحية والقنوات التي يتابعها الجمهور. أما إعلانات تيك توك فتظهر داخل تدفق المقاطع نفسه، ولذلك تنجح أكثر حين تبدو كمحتوى طبيعي لا كإعلان تقليدي. ومن الأساليب الفعالة هنا التعاون مع صناع محتوى يقدمون المنتج بأسلوبهم الخاص، ثم ترويج تلك المقاطع كإعلانات، لأنها تجمع بين مصداقية صانع المحتوى وقوة الاستهداف الإعلاني. والقاعدة المشتركة في المنصتين أن الإعلان الذي يحترم ذكاء المشاهد ويقدم له شيئًا ممتعًا أو مفيدًا يحقق نتائج أفضل بكثير من الإعلان الذي يقاطعه برسالة بيعية جافة.

كيف تجمع بين المنصتين في استراتيجية واحدة؟​

الطريقة الأذكى ليست الاختيار بين المنصتين، بل توظيف كل منهما في موقعها الصحيح من رحلة العميل. فتيك توك وما يشبهه من منصات الفيديو القصير، مثل ريلز إنستغرام ويوتيوب شورتس، تعمل بكفاءة عالية في بناء الوعي وجذب جمهور جديد لم يسمع بالعلامة من قبل. أما يوتيوب بمحتواه الطويل فيعمل على تعميق العلاقة وبناء الثقة وتقديم التفاصيل التي يحتاجها العميل قبل الشراء. ويمكن ربط المنصتين ببعضهما عبر تقطيع الفيديو الطويل إلى مقاطع قصيرة تحمل أفضل لحظاته، ثم دعوة المشاهدين إلى مشاهدة النسخة الكاملة. بهذه الطريقة يُستثمر جهد الإنتاج الواحد في أكثر من منصة.

ومن المهم أن يرتبط التسويق عبر الفيديو بأهداف قابلة للقياس، مثل نسبة المشاهدة الكاملة ومعدل التفاعل والزيارات إلى الموقع والمبيعات المنسوبة إلى المقاطع، بدل الانشغال بعدد المشاهدات وحده، فالمشاهدات قد تكون كثيرة لكنها تأتي من جمهور لا علاقة له بالمنتج. كما أن الاستمرارية في النشر وتحليل ما ينجح وتكراره بأشكال جديدة أهم من مطاردة الانتشار الفيروسي لمقطع واحد.

ولا يحتاج البدء إلى استوديو متكامل أو معدات باهظة؛ فهاتف حديث وإضاءة طبيعية جيدة وميكروفون بسيط تكفي لإنتاج مقاطع مقبولة، والأهم من الأدوات هو الفكرة الواضحة والقصة الجيدة والإيقاع المناسب. كثير من الحسابات الناجحة في التسويق عبر الفيديو بدأت بإمكانات متواضعة، ثم طورت أدواتها تدريجيًا مع نمو جمهورها.

في النهاية، يمنح التسويق عبر الفيديو العلامات التجارية فرصة لم تكن متاحة من قبل: أن تتحدث إلى جمهورها بالصوت والصورة والحركة، وأن تُظهر وجهها الإنساني بدل الاكتفاء بشعار جامد. ومن يتقن لغة كل منصة ويحترم وقت مشاهديه، سيجد في الفيديو أقوى أداة لبناء الحضور والتأثير.
 

رأيك جزء من المعرفة.

أضف تجربتك أو سؤالك، فالنقاش يكمل الفكرة.

عودة
أعلى