مقال التسويق عبر الواقع الافتراضي VR: حين يدخل العميل إلى عالم العلامة

الرُمح

Moderator
طاقم الإدارة
مشرفين انكور
عضو انكور
تخيل أنك تفكر في حجز رحلة إلى منتجع في جبال بعيدة، وبدل أن تتصفح بضع صور منتقاة بعناية على موقع الحجز، تضع نظارة على عينيك فتجد نفسك واقفًا في شرفة الغرفة، تلتفت يمينًا فترى المسبح، وتنظر إلى الأسفل فترى الوادي الأخضر، وتتجول في المطعم والردهة قبل أن تدفع قرشًا واحدًا. هذه ليست مشهدًا من فيلم خيال علمي، بل تجربة يقدمها اليوم التسويق عبر الواقع الافتراضي، وهو توظيف تقنية تنقل المستخدم بالكامل إلى بيئة رقمية ثلاثية الأبعاد يتفاعل معها وكأنها حقيقية.

وما يميز الواقع الافتراضي عن غيره من الوسائط هو الانغماس الكامل. فالنظارة تعزل المستخدم عن محيطه، وتملأ مجال رؤيته وسمعه بالعالم الذي صممته العلامة، فلا إشعارات تقاطعه ولا شاشات أخرى تشتته. هذا المستوى من الانتباه والحضور يجعل التجربة تترك أثرًا عاطفيًا وذهنيًا أعمق بكثير من أي إعلان تقليدي، فالمستخدم لا يشاهد القصة بل يعيشها.

نظارة واقع افتراضي باللونين الوردي والأبيض تستخدم في تجارب التسويق عبر الواقع الافتراضي


مجالات يتألق فيها الواقع الافتراضي​

يُعد قطاع العقارات من أكثر المستفيدين من هذه التقنية، إذ تتيح الجولات الافتراضية للمشترين المحتملين استكشاف الشقق والمنازل، بل والمشاريع التي لم تُبنَ بعد، من أي مكان في العالم. فالمغترب الذي يريد شراء بيت في بلده يستطيع أن يتجول فيه افتراضيًا ويشعر بمساحاته وإطلالته قبل أن يقرر، وهو ما يختصر الوقت ويوسع دائرة المشترين ويقلل الزيارات الميدانية غير المجدية.

وفي السياحة والضيافة، تمنح التجارب الافتراضية المسافرين لمحة واقعية عن الوجهات والفنادق، فتحفز رغبتهم في الحجز وتقلل من خيبة الأمل التي قد تنتج عن صور مضللة. وفي قطاع السيارات، يمكن للعميل أن يجرب الجلوس في المقصورة واختيار الألوان والتجهيزات ومشاهدة النتيجة من كل زاوية، بل وخوض تجربة قيادة افتراضية في طرق خلابة. أما في التعليم والتدريب، فيُستخدم الواقع الافتراضي لمحاكاة بيئات عمل معقدة وخطرة، كتدريب الأطباء والطيارين وعمال المصانع، وهو ما يفتح أمام الشركات المصنّعة لهذه الحلول بابًا تسويقيًا واسعًا.

كما تستفيد الجمعيات الخيرية والمنظمات الإنسانية من هذه التقنية بطريقة مؤثرة، إذ تنقل المتبرعين المحتملين إلى قلب الواقع الذي تعمل فيه، فيعيشون للحظات ظروف اللاجئين أو المتضررين من الكوارث. وقد أثبتت هذه التجارب قدرة لافتة على إثارة التعاطف وتحفيز التبرع، لأن الإنسان يتأثر بما يراه ويعيشه أكثر بكثير مما يقرؤه أو يسمعه.

من الفعاليات إلى العوالم الافتراضية​

تحظى أجنحة الواقع الافتراضي في المعارض والمراكز التجارية والفعاليات بإقبال كبير، فالفضول تجاه التقنية نفسها يجذب الجمهور، والتجربة الممتعة تمنحه سببًا للحديث عنها ومشاركتها. وكثير من العلامات تستخدم هذه الأجنحة لإطلاق منتجات جديدة بطريقة لا تُنسى، كأن تأخذ علامة مشروبات زوارها في رحلة افتراضية إلى المزارع التي تأتي منها مكوناتها، أو تأخذ علامة ملابس رياضية زوارها إلى قمة جبل ليعيشوا تجربة تسلق مثيرة.

ومع تطور ما يُعرف بالعوالم الافتراضية المشتركة، بدأت بعض العلامات تبني متاجر ومساحات دائمة داخل هذه العوالم، يزورها المستخدمون بشخصياتهم الرقمية، ويتفاعلون مع المنتجات ومع بعضهم البعض، بل ويشترون نسخًا رقمية من الملابس والإكسسوارات لشخصياتهم. ورغم أن الحماس المبالغ فيه حول هذه العوالم قد خفت نسبيًا مقارنة بسنوات سابقة، فإن التجارب الجادة فيها مستمرة، خاصة لدى العلامات التي تستهدف الأجيال الشابة المعتادة على الألعاب والبيئات الرقمية.

طفل يرتدي نظارة واقع افتراضي باللونين الأسود والأبيض ويستكشف عالمًا رقميًا


وتمتد الاستخدامات أيضًا إلى ما قبل البيع في قطاع التصنيع والتجارة بين الشركات، إذ تستخدم بعض الشركات الصناعية جولات افتراضية لتعريف العملاء المحتملين بمصانعها وخطوط إنتاجها وآلاتها الضخمة التي يصعب نقلها إلى المعارض، فيستطيع المشتري في بلد آخر أن يتفقد المصنع ويطمئن إلى معاييره دون أن يسافر. وهذا الاستخدام العملي يختصر دورات المبيعات الطويلة ويبني الثقة في صفقات تكون فيها الثقة هي العامل الحاسم.

التحديات وكيف تبدأ بذكاء​

رغم الإمكانات المبهرة، يواجه التسويق عبر الواقع الافتراضي تحديات حقيقية. فما زال انتشار النظارات محدودًا مقارنة بالهواتف الذكية، ما يعني أن الجمهور الذي يمكن الوصول إليه عبر تجارب منزلية ما زال ضيقًا نسبيًا. كما أن إنتاج تجربة افتراضية عالية الجودة مكلف ويحتاج إلى خبرات متخصصة في التصميم ثلاثي الأبعاد والبرمجة، وبعض المستخدمين يعانون من دوار أو انزعاج عند الاستخدام المطول. ولذلك فإن البداية الذكية غالبًا ما تكون عبر الفعاليات والأجنحة التي توفر النظارات للزوار، أو عبر محتوى الفيديو بزاوية ثلاثمئة وستين درجة الذي يمكن مشاهدته على الهواتف والمنصات دون نظارة، كخطوة أولى أقل تكلفة.

والأهم من التقنية نفسها هو الفكرة. فالتجربة الافتراضية التي لا تحمل قيمة حقيقية للمستخدم، أو لا ترتبط بوضوح بالعلامة ومنتجها، تتحول إلى مجرد استعراض تقني يُنسى بعد دقائق. أما التجربة التي تحل مشكلة فعلية، كتمكين العميل من رؤية المنتج في سياقه قبل الشراء، أو تروي قصة مؤثرة لا يمكن روايتها بطريقة أخرى، فهي ما يصنع الفرق.

يقف الواقع الافتراضي اليوم على أعتاب مرحلة نضج جديدة، مع تحسن الأجهزة وانخفاض أسعارها وتزايد المحتوى المتاح. والعلامات التي تبدأ التجربة الآن، ولو بخطوات صغيرة ومدروسة، تكتسب خبرة ستكون ثمينة حين يصبح هذا العالم جزءًا عاديًا من حياة الناس اليومية.
 

رأيك جزء من المعرفة.

أضف تجربتك أو سؤالك، فالنقاش يكمل الفكرة.

عودة
أعلى