مقال موقف عبد الله بن عمر بن الخطاب من الفتن

الرُمح

Moderator
طاقم الإدارة
مشرفين انكور
عضو انكور
موقف عبد الله بن عمر بن الخطاب من الفتن بعد مقتل عثمان يمكن تلخيصه بأنه اعتزال القتال بين المسلمين، لا اعتزال الشأن العام بالكامل. كان يرى أن النزاع على السلطة لا يبرر عنده أن يقتل المسلم مسلمًا، ولذلك حافظ على هذا الخط بدرجة لافتة من موقعة الجمل حتى صراع ابن الزبير والأمويين.

في موقعة الجمل سنة 36هـ/656م لم يخرج ابن عمر مع علي بن أبي طالب، ولم ينضم إلى عائشة وطلحة والزبير، بل عُدّ ضمن مجموعة من كبار الصحابة الذين امتنعوا عن المشاركة في القتال الداخلي، مثل سعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة. وتذكر بعض الروايات التاريخية أيضًا أنه منع أخته حفصة من الخروج مع عائشة. أرشيف الإسلام -

وفي صفّين سنة 37هـ/657م استمر على الموقف نفسه. لم يقاتل مع علي ضد معاوية، رغم أن عليًا كان الخليفة القائم آنذاك. المسألة بالنسبة له لم تكن بالضرورة مساواة بين الطرفين سياسيًا، بل كان يرى أن دخوله بالسيف في نزاع المسلمين قد يؤدي إلى دم لا يستطيع تبرير إراقته. وأوضح منطقه لاحقًا بصورة شديدة الوضوح عندما استُدل عليه بآيات القتال، فقال إنه يفضّل أن يُلام على عدم القتال على أن يقع تحت وعيد قتل المؤمن عمدًا. Sunnah

وأكثر عبارة تكشف تصوره للفتنة قوله عندما سُئل عن القتال:
«إن محمدًا ﷺ كان يقاتل المشركين… وليس كقتالكم على الملك».
أي أنه كان يميز بين القتال الذي اعتبره دينيًا في زمن النبي وبين الحروب التي أصبح محورها السلطة والخلافة ومن يحكم. ولذلك لم يكن مستعدًا بسهولة لتحويل الخلاف السياسي داخل المجتمع المسلم إلى مبرر شرعي للقتل. dorar.net

وهذا الموقف أصبح أوضح بكثير في الفتنة الثانية بعد وفاة معاوية. أثناء الصراع الذي ارتبط بعبد الله بن الزبير، جاءه رجلان يسألانه: كيف تبقى خارج القتال وأنت ابن عمر وصاحب النبي؟ فأجاب:
«يمنعني أن الله حرّم دم أخي المسلم».
وحين قيل له: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾، رد بأن المسلمين قاتلوا سابقًا لإنهاء الاضطهاد الديني، أما هؤلاء فيقاتلون بطريقة تؤدي هي نفسها إلى الفتنة. وهذه الرواية من أقوى النصوص في فهم موقفه لأنها مروية في صحيح البخاري. Sunnah

لكن هنا تظهر نقطة مهمة جدًا: ابن عمر لم يكن فوضويًا سياسيًا ولا رافضًا للسلطة من حيث المبدأ. على العكس، أصبح يميل بقوة إلى المحافظة على الجماعة والبيعة وتجنب تفكيك السلطة القائمة. في واقعة الحرّة في المدينة في عهد يزيد بن معاوية، ذهب إلى عبد الله بن مطيع، أحد قادة المعارضة، وذكّره بحديث النبي عن خطورة خلع يد الطاعة والموت دون بيعة. أي أنه لم يشارك في الثورة على يزيد، بل كان يخشى أن تؤدي الثورة المسلحة إلى دورة أكبر من الدم والفوضى. Sunnah

ونرى المنطق نفسه بصورة أوضح في صراع عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان. ابن عمر لم يتحول إلى مقاتل أموي ضد ابن الزبير، لكنه أيضًا لم يدخل جيش ابن الزبير. انتظر حتى انتهى الانقسام السياسي، وقُتل ابن الزبير سنة 73هـ تقريبًا، و«اجتمع الناس على عبد الملك»، ثم كتب إلى عبد الملك مبايعًا إياه بالسمع والطاعة «على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت». Sunnah

وهذا يكشف عن قاعدة سياسية شبه ثابتة لديه:

حين يكون المسلمون منقسمين حول السلطة → لا أقاتل مع أحد.
وحين تستقر السلطة ويجتمع عليها الناس → أعترف بها وأبايعها.


لكن لا ينبغي أن نفهم هذا باعتباره طاعة عمياء للحاكم. ابن عمر كان يستطيع أن يعارض الحاكم أو ينتقده من دون أن يحوّل المعارضة إلى تمرد مسلح. ومن الأمثلة أنه واجه الحجاج عندما اتهم عبد الله بن الزبير بتحريف كتاب الله، وقال له صراحة: «كذبت». Islam Web

وهنا توجد مفارقة تاريخية مثيرة جدًا في موقفه. فهناك روايات متأخرة تنسب إليه في آخر حياته قوله إنه ندم لأنه لم يقاتل «الفئة الباغية» مع علي. لكن هذه المسألة تحتاج حذرًا: إحدى الروايات التي تسمي عليًا تحديدًا حكم الذهبي على سندها بأنه منقطع، والدارقطني رجّح صيغة أخرى بلغ فيها الخبر عن ابن عمر دون اتصال مباشر. كما توجد رواية أخرى تفسر «الفئة الباغية» بالحجاج وجنده، لذلك لا يصح ببساطة القول إنه تراجع يقينًا عن موقفه في صفين. dorar.net

إذا أردنا إذن أن نصوغ فكر ابن عمر السياسي بلغة حديثة قليلًا، فهو لم يكن صاحب مشروع سياسي للسيطرة على الدولة، بل كان يميل إلى ما يمكن تسميته سياسة تقليل العنف الداخلي: شرعية ناقصة مع استقرار وسلم داخلي كانت عنده أهون من محاولة فرض ما يراه أحد الأطراف حقًا بالسيف إذا كان الثمن حربًا أهلية.

والأمر المثير أكثر أن هذا الموقف يضعه في مقابل نماذج أخرى داخل الجيل نفسه: علي رأى أحيانًا أن حفظ النظام والحق الشرعي يتطلب القتال، والحسين قبل مخاطرة المواجهة السياسية، بينما ابن عمر جعل تجنب الدم والحرب الأهلية أولوية أعلى بكثير. لذلك دراسة هؤلاء الثلاثة تعطيك ثلاثة تصورات مختلفة جدًا لمسألة واحدة: متى تصبح مقاومة السلطة واجبة، ومتى يصبح الامتناع عن المقاومة هو الخيار الديني والأخلاقي؟
 
التعديل الأخير:

رأيك جزء من المعرفة.

أضف تجربتك أو سؤالك، فالنقاش يكمل الفكرة.

في هذا الموضوع

صاحب النقاش

الرُمح
الرُمحModerator

معرفة تكبر بالنقاش

وجدت معلومة مفيدة؟ أضف تجربتك أو سؤالك ليساعد النقاش أعضاء آخرين.

أكمل رحلتك

لقد انتهى الأمر، ما ذهب لا يعود!هل تشعر أن كل الأبواب أغلقت في وجهك؟!معنى التوحيد
عودة
أعلى